ابن قيم الجوزية
371
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
ينشئ منها اللّه سبحانه غمامتين . وكذلك قوله في الحديث الآخر « ما تذكرون من جلال اللّه : من تسبيحه وتحميده وتهليله ؟ يتعاطفن حول العرش ، لهن دوي كدوي النحل ، يذكرن بصاحبهن » ذكره أحمد . وكذلك قوله في عذاب القبر ونعيمه للصورة التي يراها المقبور « فيقول : من أنت ؟ فيقول : أنا عملك الصالح ، وأنا عملك السيء » وهذا حقيقة لا خيال ، ولكن اللّه سبحانه أنشأ للمؤمن من عمله صورة حسنة وللفاجر من عمله وصورة قبيحة . وهل النور الذي يقسم بين المؤمنين يوم القيامة إلا نفس إيمانهم ؟ أنشأ اللّه سبحانه لهم منه نورا يسعى بين أيديهم ؟ فهذا أمر معقول ، وإن لم يرد به النص ، فورود النص به من باب تطابق العقل والسمع . و قال سعيد عن قتادة : بلغنا أن نبي اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال « إن المؤمن إذا اخرج من قبره صور اللّه له عمله في صورة حسنة وبشارة حسنة ، فيقول له : من أنت ؟ فو اللّه إني لأراك امرأ صدق ، فيقول : أنا عملك ، فيكون له نورا وقائدا إلى الجنة . وأما الكافر فإذا خرج من قبره صور له عمله في صورة سيئة ، وبشارة سيئة ، فيقول : من أنت ؟ فو اللّه إني لأراك امرأ سوء ، فيقول له : أنا عملك ، فينطلق به حتى يدخله النار » وقال مجاهد مثل ذلك . وقال ابن جريج : يمثل له عمله في صورة حسنة ، وريح طيبة ، يعارض صاحبه ويبشره بكل خير ، فيقول له : من أنت ؟ فيقول : أنا عملك ، فيجعل له نورا بين يديه ، حتى يدخله الجنة ، فذلك قوله : 10 : 9 يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ والكافر يمثل له عمله في صورة سيئة وريح منتنة ، فيلازم صاحبه ويليله ، حتى يقذفه في النار . وقال ابن المبارك : حدثنا المبارك بن فضالة عن الحسن أنه ذكر هذه الآية 37 : 58 ، 59 أَ فَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولى ، وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ؟ قال : علموا أن كل نعيم بعده الموت : أنه يقطعه ، فقالوا :